الصفحات

القائمة الرئيسية

 

رمضان مدرسة للتغيير

الحمد لله الذي جعل شهر رمضان موسم الخيرات، ومنهل البركات، شهر تتجدد فيه الحياة، وتُصفّى فيه النفوس، وتُبنى فيه الشخصيات. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

ونحن في هذا الشهر العظيم، شهر الخير واليمن والبركات، شهر رمضان المبارك، جعلنا الله وإياكم ممن صامه وقامه، وجعلنا من المغفور لهم، ومن العتقاء من النيران.

 "رمضان مدرسة للتغيير"نعم، إنه مدرسة متكاملة، جامعة، مدتها الزمنية شهر واحد فقط، لكن آثارها تمتد طوال العام، بل وطوال العمر. يأتي رمضان كل عام ليذكرنا بأن الإنسان قادر على التغيير، قادر على بناء نفسه من جديد، قادر على أن يرتقي بسلوكه وأخلاقه وعلاقته بربه. فما هي الملامح الرئيسية لهذه المدرسة؟ وكيف نستفيد منها لنصنع التغيير الحقيقي في حياتنا؟

أولاً: مدرسة التقوى (الغاية الكبرى)

يقول الله تعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]. فالهدف الأسمى من الصيام هو بناء "التقوى". والتقوى هي أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

في رمضان، يمارس المسلم "الرياضة الإيمانية" على ترك المباح (الطعام والشراب) في نهار رمضان امتثالاً لأمر الله، فيتدرج بسهولة إلى ترك الحرام والمحرمات في سائر أيام السنة.

إذا استطعت أن تترك الحلال طاعة لله، فمن باب أولى أن تترك الحرام وخوفاً من الله. هذه هي المدرسة.

ثانياً: مدرسة الصبر والانضباط

الصيام نصف الصبر، كما ورد في الأثر. ففيه صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الجوع والعطش.

هذه المدرسة تعلمنا ضبط النفس والتحكم في الشهوات والغرائز. هي تدريب عملي على قيادة الذات، وعدم تركها تندفع وراء رغباتها بلا وعي أو روية.

ثالثاً: مدرسة الأخلاق والمعاملة

يقول النبي ﷺ: "إذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم" [متفق عليه].

هذه هي التربية النبوية. الصوم ليس مجرد امتناع عن المفطرات الحسية، بل هو تهذيب للجوارح كلها.

فالعين تصوم عن النظر إلى المحرمات، والأذن تصوم عن سماع الأباطيل والغيبة والنميمة، واللسان يصوم عن الكذب والسب والشتم.

إنها مدرسة تعلمنا أن نكون أفضل الناس أخلاقاً، كما وصف النبي ﷺ: "أحسن الناس أخلاقاً" وكان ذلك في رمضان تحديداً عندما كان يلقاه جبريل عليه السلام.

رابعاً: مدرسة الجود والعطاء

كان رسول الله ﷺ "أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل" [متفق عليه].

في هذه المدرسة يتعلم المسلم العطاء والبذل، ويدرك معنى الجوع فيعطف على الجائع والمسكين. يشعر بوجع المحتاجين، فتتفتق قريحته لأفعال الخير، ويسارع إلى الصدقات والزكاة وإطعام الطعام.

إنها مدرسة تكسر حاجز الأنانية وحب الذات، وتعلمنا أن السعادة الحقيقية في العطاء.

خامساً: مدرسة إدارة الوقت وتنظيم الحياة

في رمضان، تتغير مواعيد النوم والأكل والعمل. نجد أنفسنا مضطرين لتنظيم وقتنا بشكل يسمح لنا بأداء العبادات (الصلاة، التهجد، قراءة القرآن) وأعمالنا اليومية. هذه فرصة ذهبية لنتعلم كيف نستثمر الوقت، وننظم أولوياتنا، ونستغل كل لحظة فيما يقربنا إلى الله وينفعنا في دنيانا.

سادساً: مدرسة الجماعة والوحدة

نصوم جميعاً ونفطر جميعاً، نجتمع على موائد الإفطار، ونقف في صلاة التراويح خلف إمام واحد، صفوفاً متراصة كالبنيان المرصوص. هذه العبادات الجماعية تعزز فينا روح الانتماء والأخوة، وتذكرنا بأننا أمة واحدة، وأن قوتنا في وحدتنا وتعاوننا على البر والتقوى.

كيف نصنع التغيير بعد رمضان؟

السؤال المهم: بعد أن ننهي دراستنا في هذا الشهر الفضيل، كيف نضمن أن نخرج بشهادة تؤهلنا لحياة أفضل؟ كيف نضمن ألا نعود إلى ما كنا عليه بعد رمضان؟

1. الاستمرار على الطاعات: حافظ على ركعة قيام الليل، ولو كانت قليلة. حافظ على ورد من القرآن، ولو كان صفحة واحدة يومياً. استمر على صيام الست من شوال استمر في الإنفاق والعطاء. القليل المستمر خير من الكثير المنقطع.

2. الحرص على الدعاء: كان من دعاء النبي ﷺ: "يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك". فلندع الله دائماً أن يثبتنا على ما تعلمناه في رمضان.

3. محاسبة النفس: اجعل لنفسك وقفة معها كل يوم، تحاسبها فيها: ماذا قدمت؟ وماذا فرطت؟ وكيف يمكن أن تكون أفضل غداً؟

الخلاصة

أيها الإخوة والأخوات، رمضان ليس مجرد عادة أو طقس نؤديه ثم ننتهي منه. إنه مشروع بناء وتغيير شامل. إنه فرصة عظيمة لا تعوض لننطلق منها إلى حياة جديدة، حياة أقرب إلى الله، وأجمل مع الناس، وأكثر إيجابية وتأثيراً في المجتمع.

فلنعقد العزم بالنية الصادقة، أن نجعل من رمضان بداية حقيقية للتغيير الذي نريد. ولنستعن بالإيمان والاحتساب والعمل الصالح.

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يجعلنا ممن يغيَّرون للأفضل، ويخرجون من هذه المدرسة بقلب سليم ونفس مطمئنة.

أستغفر الله لي ولكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أنت الان في اول موضوع
هل اعجبك الموضوع :
مدونة تعليمية تربوية، تعنى بالأحكام الفقهية الخاصة بالمرأة، وكل ما يتعلق بها من ثقافة ومعرفة

تعليقات